هوشنك أوسي يكتب عن زيارته لمصر وحضور فعاليات معرض القاهرة الدولي للكاتب 2023

منوّرة بأهلها ومبدعيها ومبدعاتها
هوشنك أوسي
أحاولُ دائمًا ألاَّ تكون زياراتي المتعدّدة لمدينةٍ ما، متشابهة.
لا يمكن اكتشاف المدن في زيارة واحدة أو اثنتين أو مئة.
في كلّ زيارة كشوف جديدة، وإضافات إليّ، معرفيًّا وإنسانيًّا.
المدن كالنّساء، تبقى محافظة على رونق غموضها؛ معلومها
شديدُ الحُبّ، ومجهولها شديدُ الجذب. إنْ أحبّت أغدقت، وإنْ
كرهت أحرقت. وهكذا القاهرة، في كلّ زيارة جديدة، تتيح لي
اكتشاف المزيد من سحرها، فتنتها وغموضها، كفتاةٍ رزينة
ولعوب، عتيقةٍ وفتيّة نضرة، مُنظمّة وفوضويّة في آن، تضجُّ
بالحياة وتناقضاتها. تعاقبَ على حكمها الفراعنة، البطالمة،
العرب، التُّرك، الكُرد، المماليك، ولم تدم لأحد، إلاّ للحبّ والأدب
والشّعر والفنّ. وعليه، القاهرة؛ من المدن الملهمة القليلة في
العالم، التي جاد بها الله على البشر.
معرض الكتاب:
القاهرة كتابٌ مفتوحٌ منذ الأزل وإلى الأبد، يدوّن فيه سكّانها
وزوّارها تفاصيل حيواتهم. لذا، في كلّ زيارة لي، أحاول إضافة
بعض التّفاصيل إلى ما دوّنته هناك في زيارتي السّابقة.
كذلك القاهرة تضيف إليّ المزيد من التّفاصيل، الأصدقاء
والصّديقات، الذّكريات، القصائد، والمفاجآت الجميلة.
هذه المرّة، أتيتُ معرضَ الكتاب الدّولي زائرًا، وليس ضيفًا.
وصرتُ أحسب نفسي من آل الدّار، وليس الضّيوف الزّائرين
العابرين. معرض الكتاب هذا العام، على أهميّته وضخامته
وحيويّته، زد على كونه ثاني أكبر معرض، بعد معرض فرانكفورت،
فهو أحد أبزر ملامح القوّة الثقافيّة النّاعمة لمصر.
على امتداد الأسبوع الثّاني للمعرض (31 ولغاية 6 فبراير 2023)
زرتهُ يوميًّا. وفي غضون تلك الأيّام، صدرت روايتي الأولى في القاهرة،
والخامسة على صعيد خطواتي الرّوائيّة؛ “بالوكالة عن الغيب.. بالأصالة عن الكارثة”
صدرت عن منشورات “بتانة”، في غلاف أنيق وطباعة جميلة. فلصديقي وناشري
العزيز، القاص د. عاطف عبيد، ولكلّ فريق “بتانة”، جزيل الشّكر وعميق الامتنان،
من قبل ومن بعد، على الجهد الذي بذلوه، كي ترى هذه الرّواية النّور.
السيّد حافظ:
قبل مجيئي القاهرة، كتبت للأستاذ الكبير والصّديق العزيز، الكاتب المسرحي
والرّوائي السيّد حافظ، أنّني سأزورهُ. ومن المؤسف أنّ المرض اشتدّ عليه،
وأجبرهُ على الرّقود في المستشفى عدّة أيّام. حافظت على وعدي،
وأوّل شخص زرته في القاهرة صبيحة يوم 31 فبراير، وقبل زيارة المعرض،
كان الأستاذ سيّد في مستشفى “الشبرويش”.
وحين رآني، فاض الفرح من عينيه، وعادت الابتسامة تزهر على شفتيه.
تبادلنا أطراف الحديث. شربت فنجان قهوة معه. غادرته، بعد أنْ وعدته
بزيارة أخرى في منزله. وطلبت منه الاستعجال في النّهوض والعودة
إلى فيديوهاته الجميلة النّاقدة والرّاصدة والهامّة. فقد طال غيابه،
وما عاد أصدقاؤه وأحبابه يحتملون ذلك.
وفي 7 فبراير، زرت الأستاذ سيّد في منزله. أيضًا؛ شربنا القهوة،
وأبدى حزنه وأسفه حيال الكارثة التي ضربت سوريا وتركيا. كان
يتحدّث إليّ وعيناه تختلسان النّظر إلى شاشة التلفزيون التي
تعرض صور ومشاهد الزّلزال والضّحايا! أهداني كتابين، وغادرته
على أمل اللقاء مجددًا.
المعرض:
هالني وأدهشني حجم المودّة والاحترام واللّطف والدّماثة التي
حظيت بها أثناء التّجوال في المعرض. هكذا، بسرعة، صار عدّاد
الأصدقاء والصّديقات يزداد وترتفع الأرقام. وبدأت كيمياء البشر
تتفاعل معي. روائيون وروائيات، شعراء وشاعرات، نقّاد وناقدات،
صحافيون وصحافيات، أصحاب دور نشر…، قُرّاء، أصدقاء افتراضيون،
تحوّلوا إلى أصدقاءَ حقيقيين، وهكذا دواليكم، توالت الأيّام وهي
تهديني المزيد من الأمل والفرح، وسط كمّ الحزن والألم الذي
داهمني على خلفيّة الكارثة التي حلّت في سوريا وتركيا وكردستان.
احتفظتُ بحزني لنفسي، ولم أشأ تصدير الطّاقة السّلبيّة للمحيطين بي،
لئلا أفسدَ عليهم أفراحهم الصّغيرة جدًّا، سواء على صعيد صدور كتبهم،
أو مشاركاتهم ونشاطاتهم في المعرض. حتّى أنّ البعض خامرهُ
ظنّ أنّني أتجاهل ما حدث. والحقيقة خلاف ذلك تمامًا.
ظننتُ أنّني ربّما ألقى فتورًا في التعامل، أو تحفّظًا، أو لامبالاة من قبل البعض،
على خلفية العركة التي دخلتُها، حين أشرت إلى الاختلاسات والسّرقات الأدبيّة
التي اقترفها أحدهم، ونلتُ منه شتمًا وسبًّا، وتأليبًا وتشويهًا، ما نلتهُ. لكن،
الأمر كان خلاف ظنّي وتخميني تمامًا. الرّعب والرّهاب الذي كان ذلك
الكاتب قد شكّله هو “ألتراس”ـه في الوسط الثقافي، تبدد وزال.
ولمست أريحيّة كبيرة، وبل ترحيبًا وإشادة بما كتبته وأكتبه. وحظيت
ببعض الاعتذارات التي صدرت من البعض على سوء فهمهم وتقديريهم
للموقف، وانزلاقهم نحو آلة التّضليل والتّطبيل والتّشويه والفبركة.
صرت أؤكّد للكثيرين أنّ الأمر صار من الماضي، وألقيت به خلف
ظهري، فلماذا تذكّرونني به! إلى درجة صرت أمنّي نفسي
بالعثور على شخص يقول لي: إنّني كنتُ على خطأ، ويقدّم
لي براهينه وأسانيدهُ؛ واحد، اثنان، ثلاث…الخ! لكن لم يحدث ذلك.
فقط، لاحظت أنّ أحدهم حاول التّشويش على النّدوة التي
نظمّتها ورشة “الزّيتون”، فتعامل المعنيون بالنّدوة مع ذلك
التّشويش بمنتهى المهنيّة واللّباقة والحزم والإصرار
والمسؤوليّة. وكان للورشة وقرارها، ما كان.
حضرتُ بعض النّدوات الهامّة، منها “طه حسين وقضايا الهويّة”
التي أدارها أ.د سعيد المصري. وندوات أخرى، بالتّوازي
مع حضوري العديد من الأمسيات الشّعريّة. أدهشتني
وأذهلتني المواهب الشّعريّة الشّابة التي أعادت
للقصيدة العاموديّة ولقصيدة التفعيلة اعتبارهما.
صالون هالة البدري:
من الأحداث الشّديدة الرّوعة والجمال التي جرت معي في القاهرة،
حضور صالون الرّوائيّة المبدعة هالة البدري. هناك، فاض الكرم المصري
وحوّل المكان إلى حديقة ثريّة بالألوان والتنوّع والاختلاف. تعرّفت هناك
على مبدعين ومبدعات، عرفتهم على السوشيال ميديا وحسب.
توثّقت عرى وأواصر الصّداقة والمحبّة والتّواصل الإبداعي أكثر وأكثر.
أدار الأمسية القاص والسيناريست المصري الأستاذ محمد رفيع،
فتضافرت أصناف وأجناس الإبداع؛ شعر، قصة، رواية، غناء، لتشكّل لوحة،
قلّ نظيرها في هذه الحياة المليئة بالمآسي والأزمات والاختناقات والخناقات
والصّراعات الفرديّة والجمعيّة.
هكذا، بتلك الاستضافة “المائزة والماتعة” (بلغة أهل النقد)، صار الخبزُ والملحُ،
والإبداع، جامعُ كلّ الذين واللواتي حضروا الصّالون. أثناء المغادرة، وبطريق
الخطأ المحض، أسقطتُ كوبًا على الأرض، فانكسر. فقلت
ممازحًا: “لا تغادر مكانًا إلاّ وأنتَ/أنتِ تسكر شيئًا فيهِ، يدلُّ على مروركَ من هناك.
شريطة ألاّ يكون ذلك الشّيء قلبًا أو نفسًا”. هكذا، على المحبّة والإبداع،
جمعنا صالون هالة البدري، وعليهما افترقنا.
أشرف الخمايسي:
من الأصدقاء الجدد الذين التقيت بهم صدفة، من دون سابق ترتيب أو موعد،
كان الرّوائي المصري المثير للجدل؛ أشرف الخمايسي. ذلك أنّه أثناء التّواجد
في جناح دار “إضاءات” صحبة الرّوائيّة المصريّة سارة عبدالله، والنّاشرة صاحبة
الدّار، د. نسرين يوسف، وإذا برجل يدخل الجناح ويحدّق فيّ، ويشير بإصبعه
نحوي بابتسامةٍ مشوبة بالترقّب والتساؤل، وقال: “هوشنك، أنت هوشنك…
أليس كذلك؟”، فأجبته، نعم. فتصافحت الأيدي، وبدأ العناق، ثم السّؤال عن
الحال والأحوال. هكذا، بمنتهى الودّ والدفء والفرح والارتجال، التقينا. ووعدته
ُبلقاء قريب. فما كان منه إلاّ أن “هدّدني” ممازحًا، في حال لم أفِ بوعدي
قائلاً: “إذا مجيتش، حا جرّسك على الفيس” وضحكنا معًا.
بعد مضي أيّام، اتصلتُ بالخمايسي وأخبرته أنني قادم
صحبة الشّاعر الفلسطيني – الأردني الكبير موسى حوامدة،
والرّوائي الأردني هاشم غرايبة، وشاعر أردني آخر، بالعذر منه،
نسيت اسمه. فاستقبلنا الخمايسي في مقهاه المفضّل
“زهرة اللوتس”، وأمضينا وقتًا في منتهى الجمال، شعرًا
ونقاشًا حول الشّعر، النّقد والرّواية، والاختلاسات الأدبيّة، طبعًا.
إبراهيم عبدالمجيد:
قبل سفري إلى القاهرة، ذكرت للرّوائي المصري الكبير،
الأستاذ إبراهيم عبدالمجيد؛ أنّني أودُّ اللقاء به، من دون
تحديد موعدٍ لذلك، داخل المعرض أو خارجه. ومن روائع
الصّدف أنّنا التقينا في المعرض أوّلاً، بمعيّة الكاتبة الجميلة
الرّوائيّة المصريّة رباب كساب. وهذه التّحفة المرحة الدّمثة
الـ”رباب”، تعرّفت عليها عبر السوشيال ميديا، ثمّ توثّقت
عرى الصّداقة على هامش معرض القاهرة.
زرت جناح “بيت الياسمين”وشربنا الشاي في ضيافة
زياد الجميل والأنيق والمرِح، واقتنيت عملين لعبدالمجيد،
ومن جناح “الشروق” اقتنيت عملاً ثالثًا له. وآثرتُ لقاءهُ مرّة أخرى،
قبل مغادرتي البلاد، فجرى ذلك، بشكل سريع وعاجل، في مقهى “الجريون”.
نانسي إبراهيم:
الصّديقة القديمة الجديدة المتجدّدة، النّاقدة والباحثة المجتهدة، المضيافة،
صاحبة الطّاقة الإيجابيّة، الشّخصيّة المرحة، أيضًا التقينا هذه المرّة،
لكن خارج المعرض. واستضافتنا في منزلها الكريم، صُحبة مجموعة من الأصدقاء والأدباء.
د. نانسي، معروف عنها في مصر وخارجها بعفويّتها وخفّة دمّها
وطيب ولين كلامها، وحين يجد الجدّ، تظهر شخصيّتها القلقة
المتوثّبة، غير السّاكتة عن الضّيم أو الغبن أو الاستهداف.
هي كنز لمن يعرفها ويصادقها، وكنز مفقود؛ لمَن يخاصمها ويخسرها.
عبير العطّار:
الشّاعرة والرّوائيّة الأنيقة، الجدعة، ابنة سوريا ومصر وكل بلاد الشّعر والأدب.
صديقة قديمة جديدة متجددة، التقينا على امتداد أيّام تواجدي في القاهرة.
صداقتها شرف لي، وإضافة إليّ. وعاجز عن شكرها على وقتها الذي منحته إيّاي،
طوال الأيّام التي أمضيتها في القاهرة.
عبدالقادر الحصني:
الأديب والشّاعر السّوري، الحمصي، الكبير والأصيل. صاحب القلب الرّءوف الشّاسع،
الدّائم الدفق والخفقان شعرًا وزهدًا ومحبّةً. هذا المُعلّم والأستاذ، أخذ بيدي،
حين كنتُ في بداية مشواري مع الكتابة. نصحني، ونشر لي في “الأسبوع الأدبي”،
و”الموقف الأدبي”. ولن أنسى أفضاله عليّ، ما حييت. ولَعمري أنَّ القاهرة تعلمُ
أنّه يجري فيها نهري “العاصي” و”بردى” مجتمعين في شخص الأستاذ عبدالقادر
الذي التقيت به على هامش المعرض. وآمل من الله أن يمنحني وإيّاه المزيد من
العمر حتّى نجدد اللقاء، ونعيد سردَ الذّكريات التي تقاسمناها في دمشق.
نداء عادل:
الشّاعرة العراقيّة، قمحُ الشّعر وسمارهُ ونخلتهُ وبراريه، التقيت بها أثناء
حضور صالون هالة البدري، ثمّ عاودنا اللقاء. د. نداء، الأكاديميّة، الشّاعرة
المرهفة، الودودة والأنيقة، صاحبة الهويّة المركّبة، من ضمن الكنوز التي
أهدتني إيّها القاهرة مؤخّرًا.
ومن الينابيع الإبداعيّة والثقافيّة والأدبيّة التي تشرّفت بالتعرّف عليها والنّهل
من خبراتها، اسمحوا لي بذكر بعض الأسماء، مع حفظ الألقاب: محمد ابراهيم طه،
رجب عطا أبوسرية، منى العساسي، حنان عزيز، رشا عبادة، انتصار محمد، أحمد عبده،
أحمد خطاب، مجدي نصّار، أسامة الرّيان، جمال مقار، عادل درغام،
محمد علي ابراهيم، حسام الضّمراني، شيرين العدوي، راشد عيسى،
هشام غرايبة، هاني منسي، حاتم رضوان، براء الأيوبي، صالح شرف الدين،
أليس جابر، سارة عبدالله، نسرين يوسف، حمدي الجزار، والعشرات
من الأصدقاء والصّديقات الجدد. ناهيكم عن أصدقاء وصديقات سابقين،
على سبيل الذكر لا الحصر: أحمد حسن، رضا أحمد، سامح محجوب،
محمود الضّبع، اسامة الرّحيمي، ابتسام ابو سعدة، هناء البوّاب،
محمد العامري، موسى حوامدة، محمد رفيع، تغريد النجّار، شريف الجيّار،
منى الشيمي، علي عطا، صبحي موسى، وحيد الطويلة، أحمد الشهاوي،
علي شلاه، عمر شهريار، هشام محمود، محمود الشربيتي، محمود مصطفى،
زين عبدالهادي، شعبان يوسف، محمد بركة، رشا أحمد، رشا الفوّال، صفاء النجّار،
منير عتيبة، وآخرين، مع حفظ الألقاب.
كذلك التقيت بسوريين جميلين على هامش أمسيات القاهرة، منهم: خلف علي
الخلف، ماهر عنجاري، أحمد الزعبي، خليل النعيمي، سلوى النعيمي، وآخرين.
والحقّ أنّه كثيرًا ما قيل لي “نوّرت مصر”، سواء بشكل مباشر، على الماسنجر،
أو في التعليقات، وطبيعي أن يكون ردّي المباشر: “منوّرة بأهلها”. فمع وجود
كلّ هؤلاء الجميلين والجميلات، المذكورين والمذكورات أسماؤهم/ن، وغيرهم
الكثير الكثير، ستبقى مصر منوّرة بأهلها وأحبابها وزوّارها.
حاصل القول: رصيد المرء في هذه الحياة، محبّة النّاس. رأس المال الثقافي
والأخلاقي والمعنوي هذا، كان ليّ في مصر منه رصيد، وصار أضعافَ ما كان.
وهذه، لو تعلمون، مسؤوليّة جمّة ومقلقة وثقيلة وعظيمة. ذلك أنّ الحفاظَ
على محبّة النّاس لا يكون إلاّ بمضاعفة الجهد والكد والتّعب والاشتغال على
الذّات، بهدف البقاء عند حسن ظنّهم وتقديرهم. فالمال والشّهرة، كما يأتيان
يذهبان. بينما محبّة النّاس إنْ غادرت المرء، فلن تعود كما كانت، هذا؛ إن عادت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قراءة ياسمين إسماعيل لرواية زورستر ومناقشة خطورة التعامل مع كل ما له علاقة بالسحر

فبراير 16, 2023

ما كتبته مي عبدالهادي في قراءة رواية منتهي الصلاحية للكاتب حسام مجدي

فبراير 16, 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *