كافور العبد الذي حكم مصر

“كافور الإخشيدي ” العبد الذى حكم مصر !!

كتب: أحمد العدل

 

هل  سمعت يومًا عن كافور الإخشيدي ؟

إنه أحد أشهر حكام مصر في عصر الدولة الإخشيدية، وقد سميت بهذا الاسم نسبة لمؤسس الدولة محمد بن طغج الإخشيدي، والإخشيد هو لقب وليس اسم يعني بلغة أهل فرغانة (أحد أقاليم ما وراء النهر، قرب باكستان حاليًا) ملك الملوك، وكان محمد بن طغج ينتمي إلى ملوك فرغانة، ثم التحق بخدمة والي مصر ومرت الأيام وأصبح هو والي مصر،  وفي أحد الأيام اشترى عبدًا أسود بصاص (أي لعينيه بريق) مشقوق الشفاه، وقد أطلق عليه اسم  كافور الإخشيدي، ثم أعتقه وقربه منه وجعله من كبار قواده لما رأى فيه من عزم وحزم وحسن تدبير.

هو أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيدي، وكان يعرف بلقب اللابي نسبة إلى إقليم اللاب بالسودان، وعرف أيضًا بلقب الليث (وفقًا لما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان)، وقد أجمع المؤرخون على أنه كان عبدًا، خصيًا، حبشيًا أسود اللون، قبيح الشكل ثقيل الوزن، وقد اختلفت المصادر في تحديد مولد كافور، وأشار البعض أنه ولد في عام 308 هجريًا على أساس أنه جُلب لمصر وهو في سن 14 عاما، وقاسي كافور الأمرين وهو يعاني من أحمال ناء بها كاهله ، فبين نير معصرة الزيت التي يديرها ، يدوس برجليه الكُسب ثم يقوم بحمل الأواني علي منكبيه ليجر بعدها العجلات بيديه في عمل يومي شاق ، يفترش الأرض بعدها لينام في النهاية كأنما قد كتب عليه أن يظل متمرغاً في الزيت بلا نهاية ، بل ولقي الكثير من العنت من سيده. كل هذا العناء جعل من كافور رجلاً قوياً وقادراً علي مواجهة الصعاب بل وشد من أزره حتي إذا خرج من تحت قبضة الزيات وقع في يد محمود بن وهب بن عباس الكاتب ، وهنا بدأ الحظ يبتسم له.

كانت تلك النقلة هي أول الطريق نحو المجد الذي أفضي به إلي الخير فعرف كافور السبيل نحو القراءة والكتابة فنفض يديه متاعب المعصرة وأدران الزيت فالسيد الجديد ابن عباس الكاتب هذا كان موصولاً بمحمد بن طغج ويعرفه منذ كان قائداً من قادة تكين أمير مصر وقتها وقبل أن يصبح ابن طغج علي حكم مصر .

شاءت المقادير أن يحمل كافور هدية من مولاه إلي ابن طغج ، وحين رأه الإخشيد انفتح له قلبه من أول وهلة ، فسعي لشراء هذا الصبي الأسود مقابل ثمانية عشرة ديناراً دفعها ثمناً له.

وهنا بدأت المسيرة التي كان الجد والإجتهاد شعار صاحبها والسبيل لبلوغ مرادها ، فمنذ أن حل كافور بمصر وهو يملك نفساً كبيرة ويحمل بين جوانحه قلباً كبيراً وآمالاً عريضة ، لم لا وهو الذي راوده الحلم وهو عبد صغير يباع ويشتري ، ولم يكن حلم مثل هذا الدميم القبيح أكثر من أن يجد في كنف أي سيد يملكه سوي سكن يأويه ولقمة يسد بها جوعه ، وشربة ماء يروي بها ظمأه.

ويروون عن كافور وقت أن جلب إلي سوق النخاسة أنه مر ذات يوم بسوق من الأسواق بصحبة عبد مثله ، وسارا معاً يتطلعان فقال له صاحبه :

ـ أتمني لو اشتراني طباخ فأعيش عمري شبعان بما أصيب من مطبخه.

ولكن أبا المسك قال : ـ أتمني أن أملك هذه المدينة.

قام محمد بن طغج الإخشيدي بتربية كافور وتعليمه فنون القتال، بالإضافة إلى اللغة العربية، والحساب، والعلوم الشرعية وحفظ القرآن، ثم جعله من المقربين حتى أصبح أقرب المقربين إليه ثم أعتقه، وتعلم في بلاطه شؤون الدولة، وأصبح من كبار قواد محمد بن طغج، فعهد إليه بتربية ولديه أبي القاسم أنجور وأبي الحسن علي، وأصبح لقب كافور الإخشيدي الأستاذ.

وعمل كافور على إخماد الفتنة التي نشبت في دمشق بهدف نهب خزائن الإخشيد، فقام بجمع الأموال ووضعها في أكياس وربط الأكياس بالحجارة ووضعها في بركة، إلى أن خمدت الفتنة، كما وكل إليه الإخشيد قيادة الجيش في مواجهة سيف الدولة الحمداني، في معركة قرب مدينة حلب وانتصر فيها كافور.

 

توفي محمد بن طغج وتولى الحكم ابنه أنجور، بعد أن أقره الخليفة العباسي المطيع لله على مصر والشام، وكان أنجور لا يزال صغيرًا عمره 14 عاما، فتولى الوصاية مربيه أبو المسك كافور،  وآلت الأمور لأبي المسك كافور الذي ملك السلطة والمال في يده ، وضاق الأمر بأونوجور وقتها فترك العاصمة وادعي بأنه سيخرج للهو والصيد ، فاتجه إلي ناحية الرملة بأرض [فلسطين] ليمكن نفسه ويجمع شتات من حوله ومن هم برمون بأبي المسك ، وفي قرارة نفسه ونيته انتزاع ما سُلب من ملكه ، ولكن أماً لأونوجور كانت أبصر من ابنها رأت بأن الضجر بأبي المسك لم ينته إلي قلوب كثيرة من ذوي النفوذ ، والجند علي الدوام رهن بأرزاقهم يعطون قلوبهم حيث يضمنونها ، ورأت أن مافي خزائن ابنها لا يكفي فهو شئ قليل لا يكاد أن يكفي ماهم طامعون فيه ، فحذرت ابنها من مغبة الهزيمة ، ورأت في الوقوف إلي جانب أبي المسك مزية ومكسباً لأسرتها ، وهنا نجد أن كافور قد تنازل عن جانب من كبريائه وبطيب خاطر كتب لأونوجور يسترضيه ويمنيه ، ولكن الملك الصغير كان قد نسي مسألة الملك هذه وقنع بما يصله من دريهمات ، وهنا أصبحت الأمور جادة وبقي كل شئ في يدي أبي المسك من جديد ، وظل الأمر هكذا حيث مات أونوجور عن عمر يناهز الثلاثين عاماً وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين من الهجرة عاش منها أبي المسك كافور في ظل أونوجور سلطاناً حقيقياً ممسكاً بكل مقاليد الحكم مدة أربعة عشرة عاماً ، وقيل أن كافور دس له السم ليستريح منه وليزيحه من طريقه ، فتولي من بعده أخوه علي بن الإخشيد الذي كانت نفسه تمتلئ رعباً من سطوة كافور وشدة بأسه ، وكافور يعطي لعلي بن الأخشيد مثلما كان يعطيه شقيقه أونوجور في السابق ، ولكن السلطة التي قبض عليها كافور بشدة جعلته يُضيق الخناق عليه فلم يتركه يظهر للشعب مما جعل الصبي ينحدر إلي حياة اللهو والدعة ثم اتجه للإنقطاع للعبادة يجد فيها سلواه ، حتي إذا أرهقته العبادة شمر عن ساعديه ليبحث عن حقه المسلوب يطلبه ، فما كان من كافور إلا أن عجل بموته بعد أن دس له السم أيضاً.

ولم يحصل كافور على تفويض من قبل الخلافة العباسية. بيد أنه لم يواجه اعتراضًا من قبلها، وكان يلقب بالأستاذ، ويكنى بأبي المسك، وكانت السياسة الخارجية لكافور استمرارًا لسياسة محمد بن طغج الإخشيد في الحفاظ على علاقة متوازنة مع كل من العباسيين والفاطميين.

وبصفة عامة، فقد كان قريبًا من قلوب المصريين لكونه سخيًا كريمًا؛ وينظر بنفسه في قضاء حوائج الناس والفصل في مظالمهم، وفي عهده اتسع نشاط دعاة الفاطميين في مصر.

شغل أبا المسك كافور دولة بني الإخشيد قرابة واحداً وعشرين سنة أوتزيد قليلاً كانت هذه الدولة قد دام حكمها لمصر مدة أربعاً وثلاثين عاماً ، عاش كافور يدبر أمور الحكم فيها مع مولاه ، حتي لقد قيل ان هذه الدولة ماحكمت بقدر ماكان الحكم فيها لكافور ذاته ، بل ويمكن القول أن دولة بني الإخشيد هي التي سوت الطريق وجعلته ممهداَ ليفتح سبيل حكم مصر أمام هذا الرجل ، الذي ملأ مكانه كما لم يملأه أحد من قبله ، حتي أنه شغل شعرائها فنجد شاعراً بقامة أبي الطيب المتنبي مدح كافور فأنصفه ، وحين انقلب عليه وهجاه لم ينصفه ، فحين مات كافور ودُفن بالقدس بعد أن حُمل جثمانه إلي هناك وجد مكتوباً علي شاهده شعراً للمتنبي قال فيه :

مابال قبرك ياكافور منفرداً

بالصّحصح المرت بعد العسكر اللجب

يدوس قبرك أحاد الرجال وقد

كانت أسود الشري تخشاك في الكتب .

 

كما وجد مكتوباً علي قبره :

انظر إلي غير الأيام ما صنعت

أفنت أناساً بها كانوا وما فنيت

دُنياهم ضحكت أيام دولتهم

حتي إذا فنيت ناحت لهم وبكت

 

وهكذا استطاع رجل مثل أبي المسك أن يترك ذكراً طيباً في نفوس المصريين رغم حقد الحاقدين حيث كتب عنه المتنبي هجاءاً مقذعاً في قصيدة له حين غادر مصر حانقاً علي كافور وهو الذي كتب في كافور مادحاً:

 

وفي الناس من يرضي بميسور عيشه

ومركوبه رجلاه والثوب جلدهُ

ولكن قلباً بين جنبي ماله

مدي ينتهي بي في مرادٍ أحدهُ

 

وكان من أشهر أبيات الشعر التي هجا بها المتنبي كافورا:

 

لا تشتري العبد إلا و العصا معه :::::  إن العبيد لأنجاس مناكيد.

One Thought on كافور العبد الذي حكم مصر

  1. احسنتم استاذي بارك الله فيكم ونفع بعلمكم

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قراءة قصة ( أتيت وحدي ) مصطفى نمر

يونيو 29, 2023

لغز مومياوات صحراء نازكا

يونيو 29, 2023

One Thought on كافور العبد الذي حكم مصر

  1. احسنتم استاذي بارك الله فيكم ونفع بعلمكم

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *